الحوار: حديث يجري بين شخصين أو أكثر، لبناء الجسور بين العقول والقلوب، ويتحقق فيه تبادل الأفكار بين الأطراف المتحاورة. وثقافة الحوار مجهولة في مجتمعاتنا على مر العصور، وعندنا السيف سبّاق العذل، ولا تجتمع بديارنا الفحول بأذواد مشتركة، فلا بد من تصارعها والذي يفوز بقتلها يكون الفارس المطاع.
وتجدنا أمام منطلقات عملية يمكن الارتقاء إلى إدراكها، وما كنا لنفهمها سابقا، فالدول الأوربية راجعت ماضيها واستخلصت الدروس الصائبة ، وتوصلت إلى أن الحرب سلوك لا يليق بالإنسان المتحضر، ولهذا أرادت أن تعطي مثلا على إمكانية الوصول إلى حل مقبول لأية مشكلة من خلال الحوار، وأدركت عبر مسيرات دامية حتى منتصف القرن الماضي، أن غاية الحروب الجلوس على مائدة المفاوضات، فلماذا يتقاتل البشر لكي يتحاور، ولماذا لا تتغير المعادلة، وتتحاور الدول لكي لا تتقاتل، وأفلحت نسبيا الدول المتقدمة بما توصلت إليه من إبداعات وإدراكات معرفية علمية وتعبيرات مادية عن الأفكار المنيرة.
ونجحت قلة من البشرية في قلب معادلة السلوك التي عصفت بمسيرتها عبر آلاف الأجيال، ولا تزال تعصف في منطقتنا ومجتمعاتنا، التي لا تفهم في مهارات الحوار وآلياته وخبراته، وأدواته اللازمة لصناعة الحياة الأفضل، فتراها متأهبة لصناعة التداعيات المأساوية في كل مكان.
فالحوار خُلق حضاري وجوهر واضح المعالم حتى في القرآن، وقد أعطى الله مثلا رائعا عن أصوله في محاورته مع إبليس.
والحوار أولا قبل الحروب سلوك غريب عن البشرية، وربما تحتاج لأجيال وأجيال لكي تستوعبه وتستثمر فيه وتمارسه، ذلك أن الطبيعة البشرية المصاغة عبر العصور تجنح للحرب والقتال وسفك الدماء، وأن في البشر طاقات خراب ودمار أكبر من طاقات البناء، وهذه معضلة مهيمنة على السلوك الجمعي، ويمكنها أن توظفه في مسيرات إفنائية مروّعة، كما حصل في الحربين العالميتين في القرن العشرين، ويُخشى أن يتحقق التوظيف الأبشع في القرن الحادي والعشرين.
والحوار بحاجة إلى قادة ورموز وقدوات، تقدم لغة الحوار على جميع اللغات، وتتمسك برؤيته حضارية إنسانية، برغم الضغوط والمعوقات والتحديات والهجمات المتنوعة عليها.
وفي مجتمعاتنا المُعانية من الويلات بسبب الضعف المستشري، لا يوجد رمز يؤمن بالحوار ويسعى للعمل بموجب آلياته ومعطياته، وإنما ننزلق نحو التحاور بالسلاح وسفك الدماء، أما الحوار الواعي العاقل الحكيم فإنه ممنوع أو مفقود، لغياب التكافؤ الاقتداري والتوازن السيادي، وربما يكون ذلك بسبب فقدان القادة والرموز لمفاهيم الحوار ومهاراته، وعدم أهليتهم القيادية، فهم يجيدون التعبير عن الأنانية والأمر بالسوء والبغضاء والكراهية والانتقام، وفقا لمنطلقات أمّارة السوء المتأسدة فيهم، والتي تؤججها ثروات الأرض الفياضة، وما تمليه الكراسي من امتيازات وغنائم ونشوة تأسد وامتهان.
بينما تأريخنا يزخر بأدبيات الحوار، وفلسفاته ورموزه اللامعين المؤثرين في مسيرات البشرية وهدايتها إلى الثورات الإنسانية الكبرى، كما جرى لتأثيرهم في أوربا التي تفاعلت معهم في بلاد الأندلس. وفي هذه المآسي الطاحنة لا يوجد خيار عندنا إلا بتبني ثقافة الحوار وتدريسها وتعليمها وممارستها، والوصول بها إلى تفاعلات عقلية وفكرية ذات قيمة انطلاقية نحو حياةٍ أرقى وأجمل.
فهل سنتعلم ثقافة الحوار، أم سنتواصل الكلام بأفواه البنادق والمدافع والانفجارات، والتمسك بالكراسي والمآسي؟!!
عقولٌ في متاهاتِ الضَياعِ
صراعاتٌ بأحْجية السباعِ
تُمزّقنا مَخالبُ مُستَعينٍ
بما فينا منَ الألم المُشاعِ
ألا سُفكَتْ دماءٌ حينَ جهلٍ
وأنْكرنا التواصلُ باطْلاعِ
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
صناعة الدكتاتورية!! / النيران تصهرنا!! / توفيق الحكيم!!
