ما مدى أخلاقية أن يكون لدينا دواء ناجع، ثبت أنه يخفف معاناة الناس ويساعدهم على التعافي، ثم يُسحب من الصيدليات؟
ما مدى أخلاقية أن نعرف أن سحب هذا الدواء سيحرم كثيرًا من الناس فرصة التحسن، وسيتركهم في مواجهة آلام كان يمكن التخفيف منها، ثم نستمر في منعه بحجة لا تتعلق بفاعليته ولا بمصلحة المريض؟
قد يبدو هذا التصرف غير مقبول طبيًا وأخلاقيًا. لكن شيئًا قريبًا من ذلك حدث في مجال العمل النفسي. ولا أتحدث هنا عن الأدوية النفسية، وإنما عن **صيدلية النفس**؛ تلك الصيدلية الواسعة التي احتوت عبر التاريخ على معانٍ وممارسات وطرائق ساعدت الإنسان على احتمال ألمه، واستعادة توازنه، وتجاوز أزماته، والعودة إلى الحياة.
كان على رفوف هذه الصيدلية:
الصبر، والرضا، والرجاء، والحمد، والشكر، وحسن الظن بالله، والتوكل، والاحتساب، والدعاء، والارتباط بالمعنى، والشعور بأن للمعاناة غاية، وأن الإنسان ليس متروكًا وحده في مواجهة ما يمر به.
لم تكن هذه المعاني مجرد كلمات وعظية تُقال للناس؛ بل كانت، حين تُفهم وتُستخدم في موضعها الصحيح، وسائل حقيقية لمساعدة الأفراد والأسر والمجتمعات على تجاوز المحن والخسارات والتحديات.
لقد ساعد الصبر أناسًا على ألا ينهاروا أمام الألم.
وساعد الرجاء أناسًا على مواصلة الطريق حين بدت أمامهم جميع الأبواب مغلقة.
وساعد الرضا أناسًا على التوقف عن استنزاف أنفسهم في الصراع مع ما لا يستطيعون تغييره.
وساعد الحمد والشكر أناسًا على رؤية ما بقي في حياتهم، بدل أن تبتلع الخسارة كل ما فيها.
وساعد حسن الظن بالله أناسًا على ألا يحولوا المجهول إلى كارثة، وألا يفسروا كل تأخير أو منع بوصفه هجرًا أو عقوبة.
وساعد الدعاء والتوكل والارتباط بالله أناسًا على استعادة الأمان والمعنى والقدرة على الاحتمال.
ثم بدأت بعض هذه «الأدوية» تُسحب تدريجيًا من صيدلية النفس.
حدث ذلك تحت عناوين متعددة، من أبرزها ضرورة الفصل بين الدين والاختصاص النفسي. وكان لهذا الفصل في بعض السياقات ما يبرره؛ حمايةً للمراجع من فرض معتقدات المعالج عليه، ومن تحويل الجلسة النفسية إلى موعظة، ومن استخدام الأحكام الدينية بطريقة سطحية أو مؤذية، ومن تفسير كل معاناة نفسية على أنها ضعف في الإيمان. هذه المخاوف مشروعة، وكان لا بد من التعامل معها.
لكن ما حدث لاحقًا لم يبقَ دائمًا ضمن حدود الضبط المهني، بل تحول أحيانًا إلى **فصل تعسفي بين الإنسان ومصادر قوته**.
لم يعد المطلوب فقط ألا يفرض المعالج دينه على المراجع، بل أصبح الدين نفسه موضع ريبة، حتى عندما يكون جزءًا أصيلًا من هوية المراجع، ومصدرًا للمعنى والأمان والتعافي لديه.
وهنا وقع تطرف آخر.
فكما أن من غير المهني أن يفرض المعالج مرجعيته الدينية على المراجع، فمن غير المهني أيضًا أن يفرض عليه مرجعية تستبعد الدين من حياته.
وكما لا يجوز اختزال الاضطراب النفسي في ضعف الإيمان، لا يجوز كذلك اختزال الإنسان في نفس منفصلة عن إيمانه وقيمه وعلاقته بالله.
فالحياد العلاجي لا يعني تفريغ الغرفة العلاجية من هوية المراجع، ولا يعني التعامل مع معتقداته بوصفها مواد يجب تعطيلها قبل بدء العلاج.
**المراجع لا يدخل الغرفة العلاجية بعقله وانفعالاته وسلوكياته فقط؛ بل يدخل إليها بتاريخه، وثقافته، وقيمه، وعلاقاته، وأسئلته الوجودية، وإيمانه، وصورته عن الله، وفهمه للحياة والألم والموت والابتلاء والرجاء.**
فإذا كان العلم النفسي يؤكد ضرورة فهم الإنسان ضمن سياقه، فلماذا يُستبعد السياق الديني؟
وإذا كنا نبحث عن مصادر القوة في حياة المراجع، فلماذا لا يُنظر إلى إيمانه بوصفه أحد هذه المصادر؟
وإذا كانت بعض المعاني الدينية تساعده على تنظيم انفعالاته، واحتمال ألمه، واستعادة الأمل، واتخاذ القرار، وبناء معنى لما يمر به، فبأي منطق علمي نطلب منه تركها خارج الغرفة؟
هل تصبح الأداة غير علمية لمجرد أن الدين عرفها قبل علم النفس؟
وهل نفقد حقنا في دراسة الصبر والرضا والرجاء والامتنان والتوكل لأنها نشأت في سياق إيماني، ثم نستعيدها فقط عندما نمنحها أسماء نفسية حديثة؟
المفارقة أن بعض المفاهيم التي أُبعدت بسبب ارتباطها بالدين عادت إلى الأدبيات النفسية بأسماء جديدة.
عاد الشكر تحت عنوان الامتنان.
وعاد الحضور تحت عنوان الوعي باللحظة.
وعاد القبول بوصفه مهارة علاجية.
وعاد المعنى بوصفه عنصرًا أساسيًا في مواجهة المعاناة.
وعاد الرجاء ضمن علم النفس الإيجابي.
لكن النسخة الدينية الأصلية من هذه المعاني بقيت في بعض السياقات موضع حذر، وكأن المفهوم يصبح مقبولًا فقط بعد نزعه من مرجعيته الإيمانية.
المشكلة ليست في أن يدرس علم النفس هذه المفاهيم ويعيد صياغتها، فهذا جزء من عمله. المشكلة أن يعترف بفاعلية المعنى، والقبول، والامتنان، والرجاء، ثم يرفض الاستفادة من صورتها الدينية لدى مراجع يستمد منها قوته.
إننا هنا لا ندعو إلى استبدال العلاج النفسي بالوعظ، ولا إلى تقديم النصوص الدينية بوصفها وصفات جاهزة لكل حالة، ولا إلى استخدام الصبر لإسكات المظلوم، أو الرضا لتكريس العجز، أو التوكل لمنع الإنسان من السعي، أو حسن الظن بالله لإنكار الخطر والألم.
فكل معنى، مهما كان عظيمًا، يمكن أن يُساء استخدامه إذا وُضع في غير موضعه.
قد يُستعمل الصبر بصورة مؤذية لإبقاء الإنسان في علاقة عنيفة.
وقد يُفهم الرضا على أنه استسلام لما يجب تغييره.
وقد يتحول التوكل إلى تواكل.
وقد يُستخدم الحديث عن الإيمان لإشعار المراجع بالذنب بدل مساعدته.
ولهذا لا يكفي أن تكون الأداة دينية حتى تكون نافعة؛ بل يجب أن تُفهم فهمًا صحيحًا، وأن تُستخدم في الوقت المناسب، مع المراجع المناسب، وللغاية المناسبة، وضمن كفاءة دينية وسريرية حقيقية.
المطلوب ليس إعادة كل ما هو ديني إلى الغرفة العلاجية بلا ضابط، وإنما إعادة النظر علميًا وموضوعيًا في كل ما أُخرج منها بلا حق.
نحن بحاجة إلى موقف يتجنب تطرفين:
**تطرف يحول كل مشكلة نفسية إلى مشكلة إيمانية، وتطرف يفصل الإنسان عن إيمانه حتى عندما يكون الإيمان أحد أهم مصادر قوته.**
العلم لا يطلب منا أن نتشنج تجاه الدين، بل أن ندرس أثره.
والمهنية لا تقتضي إقصاء معتقدات المراجع، بل فهمها والتعامل معها بكفاءة.
واحترام المراجع لا يكون بمنعه من إحضار هويته إلى الغرفة، بل بحمايته من فرض هوية المعالج عليه، مع مساعدته على توظيف موارده وقيمه ومعتقداته بما يخدم تعافيه.
ولهذا يجب أن نعيد فتح صيدلية النفس، وأن نراجع ما سُحب من رفوفها.
لا لنضع الصبر مكان العلاج، بل لندرس كيف يمكن أن يكون جزءًا منه.
ولا لنضع الدعاء بدل السعي، بل لنفهم كيف يمكن أن يمنح الإنسان قوة على السعي.
ولا لنقدم الرضا بديلًا عن التغيير، بل لنعلمه متى يقبل ما لا يستطيع تغييره، ومتى يعمل على تغيير ما يستطيع.
ولا لنستخدم حسن الظن بالله لإنكار الواقع، بل لنمنع الإنسان من تحويل المجهول إلى كارثة محتومة.
إن المعاني الدينية ليست بدائل تلقائية للعلاج النفسي، لكنها قد تكون من موارده المهمة. وإقصاؤها لمجرد أنها دينية ليس موقفًا علميًا محايدًا، بل قد يكون تحيزًا يحرم المراجع من أحد أقوى مصادر المعنى والمساندة في حياته.
ويبقى السؤال الأخلاقي قائمًا:
**إذا كان في صيدلية النفس ما يخفف معاناة الإنسان، ويقوي احتماله، ويساعده على التعافي، فما مدى أخلاقية أن نسحبه منها لمجرد أنه جاء من رف ديني؟**
ربما لم تكن المشكلة أن هذه المعاني غير نافعة، بل أننا لم نتعلم بعد كيف نستخدمها بكفاءة ومسؤولية.
واقرأ أيضاً:
يحدث معنا يا زميلي.. تجارة تطوير الذات / عن علم النفس
