لماذا نحتاج إلى علم نفس مؤصَّل شرعًا؟ مقارنة ومقاربة مع علم النفس المعاصر وعلم التزكية
يُطرح علينا سؤال يستحق التأمل: لماذا نحتاج إلى علم نفس إسلامي؟ أليس علم التزكية كافيًا؟ وما الذي سيضيفه التأصيل الشرعي إلى علم النفس الموجود أصلًا؟ للإجابة، نحتاج أولًا إلى فهم كيف تنشأ العلوم، وما الاحتياجات التي تخدمها، ثم ننظر في مواضع الاشتراك والاختلاف بينها.
الكتاب والسنة أصل المرجعية الشرعية، وقد نشأت وتطورت حول فهمهما وخدمتهما علوم متعددة؛ كالتفسير وعلوم الحديث وأصول الفقه. ومع اتساع حياة الناس وتجدد مسائلها، اتسعت المباحث والتطبيقات؛ فالاقتصاد الإسلامي المعاصر، مثلًا، يستند في جانبه الشرعي إلى فقه الأموال والبيوع والمعاملات، ويستفيد كذلك من المعرفة الاقتصادية وأدواتها.
وهنا يظهر وجه من سعة الشريعة: أن أصولها تهدي النظر في مسائل متجددة، وأن اجتهاد الإنسان في فهمها وتنزيلها يستجيب لحاجات لم تكن موجودة بالصورة نفسها من قبل. ولا يعني ذلك أن كل علم مستحدث مستخرج بتفاصيله من النصوص، وإنما أن الوحي يؤسس المرجعية، والإنسان يجتهد في الفهم والبحث والتطبيق.
والعلم، في جانب كبير منه، استجابة لحاجات الناس. تتجدد الحاجة، وتتوسع المعرفة، وتنشأ تخصصات لم تكن مستقلة من قبل. انظر إلى تطور علم الأدوية، وتقنيات الطاقة، والإلكترونيات والحاسوب؛ فالعلم يُبنى على العلم، وتتفرع مباحثه كلما ظهرت أسئلة تحتاج إلى أدوات أدق وإجابات أوسع.
لذلك، فإن اقتراح مبحث علمي جديد أو اتجاه مختلف ليس أمرًا مستنكرًا بذاته. والسؤال الذي يستحق النقاش هو: ما الحاجة التي يخدمها؟ وما موضوعه؟ وما منهجه؟ وما الإضافة التي يقدمها؟
وهذا يقودنا إلى علم النفس.
حين نقول «علم النفس الغربي»، فقد يوحي التعبير بأننا أمام علم ذي تصور واحد عن الإنسان، بينما علم النفس المعاصر مجال متعدد الفروع والمدارس؛ يبحث في السلوك والعمليات العقلية، ويضم مباحث التعلم والنمو والإدراك والعلاقات وغيرها. ولا يصح اختزاله كله في العلاج النفسي أو في مدرسة بعينها.
وللتقريب: عندما ندرس العين، فإننا ندرس تركيبها ووظائفها وأمراضها ووسائل علاجها. وكذلك دراسة الإنسان تتضمن أسئلة مختلفة: كيف يتعلم؟ كيف يتذكر؟ كيف تتشكل عاداته؟ وما الذي يوجه اختياراته؟ لكننا عندما نسأل: لماذا يعيش الإنسان؟ وما الخير الذي ينبغي أن يقصده؟ وما حدود إشباع رغباته؟ فإننا ندخل أيضًا في أسئلة المرجعية والقيم والغاية.
هنا يتضح موضع الحاجة إلى التأصيل الشرعي.
ولا تحتاج هذه الحاجة إلى افتراض أن جميع مدارس علم النفس تنطلق من الداروينية، أو أنها جميعًا تنكر الخالق والدين؛ فهذا تعميم لا يصلح أساسًا للمقارنة. بل توجد داخل علم النفس المعاصر مباحث ومؤسسات تهتم بالدين والروحانية وعلاقتهما بحياة الإنسان وممارساته.
لكن دراسة الإيمان بوصفه ظاهرة في حياة الإنسان تختلف عن اتخاذ الوحي مرجعية في تصور الإنسان وغاياته. كما أن اقتصار البحث التجريبي على ما يمكن ملاحظته وقياسه لا يعني بذاته إنكار ما وراء ذلك؛ إنما تبدأ المشكلة عندما تتحول حدود المنهج إلى حكم بأن الإنسان لا حقيقة له خارج ما يستطيع هذا المنهج قياسه.
ومن هنا يمكن توضيح حاجتنا في ثلاثة أمور:
أولًا: تصور الإنسان بوصفه مخلوقًا.
في التصور الإسلامي، الإنسان مخلوق له خالق، وله غاية ومسؤولية، وصلته بالله جزء أصيل من فهم وجوده. ولذلك نحتاج إلى بناء معرفي يحضر فيه هذا الأصل عند تناول المعنى والدافعية والاختيار والابتلاء. وهو أصل مرجعي يوجّه النظر، مع بقاء التفسيرات النفسية التفصيلية محتاجة إلى البحث والتحقق.
ثانيًا: حضور الآخرة في فهم المصلحة والغاية.
نحن نهتم بعافية الإنسان وجودة حياته في الدنيا، لكننا لا نحصر مصلحته فيما يريحه الآن أو يحقق له رغبة قريبة. ففي مرجعيتنا تمتد الحياة إلى الآخرة، وتتصل الاختيارات بالمسؤولية أمام الله. وهذا يوسع السؤال من: «كيف أصل إلى ما أريد؟» إلى: «ما الذي يستحق أن أريده؟ وكيف أسعى إليه بما يصلح دنياي وآخرتي؟».
ثالثًا: المرجعية التي تضبط القيم.
تختلف الاتجاهات النفسية في تناولها للقيم، فلا يصح القول إنها جميعًا تجعل رغبة الفرد مرجعها الوحيد. لكننا نحتاج إلى وضوح المرجعية في المسائل التي تتضمن حكمًا على الغايات والسلوك؛ فاختيارات الإنسان، في التصور الإسلامي، تُوزن بمرجعية شرعية، وتُراعى فيها الحقوق والمسؤوليات والأعراف المعتبرة. وهذه المرجعية تؤثر في تحديد ما نسميه مصلحة، وما نعده تغييرًا مرغوبًا.
فأين يقع علم التزكية من ذلك؟ وهل يكفي؟
علم التزكية يتناول إصلاح النفس وتطهيرها وتنميتها في طاعة الله، ويعتني بأعمال القلوب والأخلاق ومجاهدة النفس. وهذه مساحة أصيلة نحتاج إليها، ويستفيد منها أي بناء نفسي مؤصَّل شرعًا.
لكن اشتراك علمين في الاهتمام بالنفس لا يجعل موضوعاتهما وأدواتهما متطابقة. فدراسة الذاكرة والانتباه والتعلم والنمو، وبناء المقاييس، واختبار التفسيرات والتدخلات النفسية، تحتاج إلى مناهج وتخصصات لا تُستوفى بمجرد تناول أبواب التزكية.
وفي المقابل، فإن معرفة كيف تتشكل عادة، أو كيف يتغير سلوك، لا تجيب وحدها عن سؤال: إلى أي غاية ينبغي أن نوجّه هذا التغيير؟
لهذا تكون العلاقة علاقة تكامل مع تمييز الاختصاصات. نستفيد من علم التزكية في فهم صلاح النفس وغاياتها وأعمال القلوب، ونستفيد من البحث النفسي في فهم العمليات والأنماط واختبار الوسائل. ويبقى لكل مجال ما يتطلبه من تأهيل وأدوات؛ فالإحاطة بأحدهما لا تمنح تلقائيًا الإحاطة بالآخر.
وما الذي يجعل هذا المشروع علميًا؟
أن تكون إضافته واضحة، وأن يميز بين النص الشرعي وفهم الباحث له، وبين الأصل الإيماني والفرضية النفسية، وبين التوجيه القيمي والنتيجة التجريبية. فما نقدمه من نماذج وتفسيرات وتطبيقات هو اجتهاد بشري، يُنسب إلى أصحابه، ويقبل النقد والمراجعة، ولا يكتسب العصمة بمجرد تسميته «إسلاميًا».
وكذلك لا يقتضي التأصيل الشرعي رفض المعرفة النفسية لأنها نشأت في مجتمع آخر. فالنتيجة البحثية تُفحص بمنهجها ودليلها وحدود تعميمها، أما التصورات عن حقيقة الإنسان وغاياته والقيم الموجهة لحياته فتحتاج إلى مناقشة مرجعياتها أيضًا.
ومن حق المجتمعات أن تطور مباحث تستجيب لأسئلتها وتراعي مرجعياتها. فالناس قد يشتركون في الرغبة في نفع أنفسهم وأهلهم ومجتمعاتهم، وفي تقديم ما يؤمنون به للآخرين، مع اختلافهم في تصور النفع والطريق إليه. هذا الاشتراك في المقاصد العامة لا يلغي اختلاف الأفكار، كما أن اختلاف الأفكار لا يمنع التعلم المتبادل.
لهذا نحتاج إلى التأصيل الشرعي لعلم النفس: خدمةً لاحتياج معرفي وإنساني قائم، وبناءً لفهم يجمع البحث المنضبط في أحوال الإنسان مع وضوح المرجعية التي توجه غاياته. وقيمة هذا المشروع تظهر بقدر ما يقدم معرفة قابلة للفحص، وممارسة نافعة، وفهمًا أعمق للإنسان الذي يسعى إلى خدمته.
واقرأ أيضاً:
عن علم النفس / من سحب الدواء من صيدلية النفس؟
