أخي للأسف أخي!
أخي المدمن يدمر حياتنا. أكاذيبه المتواصلة تُربكنا وتجعلنا نشك في كلامه. أكاذيبه كثيرة لدرجة أننا لم نعد نعرف الحقيقة.
تواصلنا مع العديد من الأشخاص والمنظمات طلبًا للمساعدة.
لقد عُزل لفترة طويلة، ودخل مراكز إعادة تأهيل، وراجع أطباء نفسيين، وتناول أدوية، وظننا أن الأمور ستعود إلى طبيعتها. لكن سلوكه ظل غريبًا وعنيفًا، ويعاني من اضطراب ثنائي القطب، ومليئًا بالأكاذيب، ولا يبدي أي نية للعمل، إلخ.
اعتقدنا أن كل هذا ناتج عن خلل في كيمياء دماغه، وأن كل شيء سيتحسن مع الوقت والعلاج والحب.
لكن فجأة عاد إلى سلوكه المتطرف، وهو غائب عن المنزل منذ أسبوعين، ويختلق الأعذار، وأحيانًا لا يرد على الإطلاق.
رسائله مؤذية ومليئة بالأكاذيب، وهدفه الوحيد هو التلاعب بمشاعر والديّ للحصول على المال. لم أعد أعرف كيف أعرف الحقيقة. بدأت أفقد كل حبي له بعد كل ما فعله بنا من ألم ومعاناة، وبعد كل ما يسببه لوالدينا من ألم ومعاناة.
أحتاج شخصيًا إلى مساعدة لتجاوز هذه المحنة، وإلى شخص ألجأ إليه لأستشيره وأتمكن من مواصلة حياتي بشكل طبيعي رغم كل هذا.
هل لديكم أي اقتراحات لكاهن يستطيع أن يستمع إليّ ويقدم لي الإرشاد؟
31/08/2026
رد المستشار
عزيزتي "مارتينا"، أشكرك على ثقتك وعلى شجاعتك في التعبير عن هذا القدر الكبير من الألم. من الواضح أنك لا تتحدثين عن موقف عابر، بل عن سنوات من القلق والمحاولات المتكررة لإنقاذ أخيك، وعن شعور متراكم بالعجز والحيرة والخوف على والديك وعلى الأسرة كلها.
أود أن أقول لك أولًا: من الطبيعي جدًا أن تشعري بالتعب والغضب، بل وحتى بأن مشاعرك تجاه أخيك قد تغيّرت. هذا لا يعني أنك إنسانة قاسية أو أنك توقفتِ عن محبته، ولكنه يعني أنك تعرضتِ لفترة طويلة من الضغط والألم وعدم الاستقرار.
الإدمان والاضطرابات النفسية قد تفسر بعض السلوكيات، لكنها لا تعني أن الأسرة مطالبة بأن تتحمل كل شيء بلا حدود. كذلك فإن المرض لا يلغي ضرورة وجود حدود واضحة تحميك أنت ووالديك من الاستنزاف والتلاعب والعنف.
أحيانًا تقع الأسرة في دائرة مؤلمة: يظهر الأخ في صورة المحتاج والمنكسر، فتندفع الأسرة للمساعدة بدافع الحب والخوف، ثم تتكرر الأكاذيب أو طلبات المال أو الاختفاء، فتعود الأسرة إلى القلق والغضب، ثم يظهر الشعور بالذنب من جديد. ومع مرور الوقت يصبح الجميع منشغلًا بمحاولة إنقاذ شخص واحد، بينما تبدأ حياة بقية أفراد الأسرة في التوقف.
لذلك ربما يكون السؤال في هذه المرحلة ليس: كيف أجعله يتغير؟ لأنك لا تستطيعين إجبار إنسان على العلاج أو التعافي إذا لم يكن مستعدًا لذلك. السؤال الأهم هو: كيف أحافظ على نفسي وعلى والديّ بينما نتعامل مع هذه الأزمة؟
أنصحك ببعض الأمور:
افصلي بين الحب والمسؤولية. يمكنك أن تحبي أخاك وتتمني له الشفاء، وفي الوقت نفسه ترفضي الكذب أو العنف أو الابتزاز العاطفي.
لا تحمّلي نفسك مسؤولية إنقاذه. أنتِ أخته، ولستِ مسؤولة عن إصلاح حياته أو مراقبته طوال الوقت أو معرفة حقيقة كل كلمة يقولها.
ضعي حدودًا واضحة، خاصة فيما يتعلق بالمال. إذا كانت طلبات المال جزءًا من دائرة الإدمان أو التلاعب، فمن الأفضل أن تتفق الأسرة على طريقة موحدة للتعامل معها، وألا يقرر كل فرد بمفرده تحت تأثير الخوف أو الشفقة.
لا تحاولي اكتشاف الحقيقة من خلال كل رسالة أو كل قصة. عندما يصبح الشخص كثير الكذب، فإن محاولة التحقيق المستمر قد تستنزف الأسرة نفسيًا. يمكن التعامل مع الوقائع المؤكدة فقط، بدلًا من الدخول في دوامة تفسير كل كلمة.
إذا كان هناك عنف أو تهديد أو خطر حقيقي، فلتكن السلامة أولوية. لا تحاولي أنت أو والداك التعامل وحدكم مع موقف قد يعرض أحدًا للخطر.
أما بالنسبة لكِ شخصيًا، فأنا أرى أنك تحتاجين بالفعل إلى مساحة خاصة بك، ليس للحديث عن أخيك فقط، بل للحديث عن ما فعلته هذه السنوات بك أنتِ: القلق، والغضب، والشعور بالذنب، والخوف على والديك، وربما الشعور بأنك ممزقة بين دور الأخت ودور الابنة التي تحاول حماية أسرتها.
ومن حقك أن تواصلي حياتك، وأن تعيشي زواجك وعملك واهتماماتك دون أن تشعري بأن ذلك خيانة لأخيك أو تخليًا عنه. حياتك لا يجب أن تتوقف حتى يتعافى هو.
وبما أنك طلبتِ شخصًا من الناحية الروحية تستندين إليه، فأرى أن الحديث مع أب اعتراف أو كاهن تثقين بحكمته واحتوائه قد يكون مصدر دعم مهم لك، ليس بهدف إصدار حكم على أخيك، وإنما لمساعدتك أنتِ على فهم مشاعرك، والتعامل مع الغضب والذنب، ووضع حدود دون أن تفقدي محبتك أو سلامك الداخلي.
وأخيرًا، أريدك أن تتذكري هذه الفكرة: أنتِ تستطيعين أن تحبي أخاك دون أن تسمحي للفوضى التي يعيشها بأن تبتلع حياتك كلها. يمكنك أن تتمني له الشفاء، وأن تدعمي علاجه عندما يكون مستعدًا له، لكنك لستِ مطالبة بأن تنقذي شخصًا على حساب صحتك النفسية وحياة أسرتك.
أعتقد أن الخطوة المهمة لك الآن هي أن تجدي شخصًا آمنًا تستطيعين الحديث معه بانتظام، سواء كان كاهنًا تثقين به أو مختصًا نفسيًا، حتى لا تبقي وحدك تحملين هذا الحمل الكبير.
أتمنى لكِ ولأسرتك السلام والقوة والحكمة في التعامل مع هذه المرحلة الصعبة، وأن يمنح الله أخاك فرصة حقيقية للتعافي، ويمنحكم جميعًا القدرة على المحبة دون استنزاف، وعلى المساندة دون أن تفقدوا أنفسكم.
واقرئي أيضًا:|
ثناقطبي وإدمان ومسؤولية زمان!
أخي مدمن فهل أضيع؟
أخي مدمن: ما العمل؟
المدمن وعذابات الأسرة
أخي مدمن وسي السيد متى الخلاص؟