لا أجيد كتابة مقالات الرثاء، بل أتحاشاها عادةً لأنني أراها تقليدية ومكررة، لكنني اليوم سأكسر قاعدتي هذه، لأن الحياة علمتني أن بعض الراحلين يستحقون فعلاً أن تكسر لأجلهم... كل القواعد! في هذه الحياة أشخاص لا تربطك بهم صلة دم مباشرة، لكنهم يسكنون في منطقة من الروح لا يصلها إلا القليلون، أشخاص لم تخترهم الجينات بل اختارهم القلب بمحض إرادته، ولم تفرضهم شجرة العائلة بل فرضتهم لحظات صادقة تكتشف فيها أن بعض البشر يمر في حياتك لتتعلم منهم أن تكون إنساناً حقيقياً، وحين يرحل هؤلاء فإنهم يتركون فراغاً موجعاً لا تملؤه الذكريات مهما كثرت، ولا تعوضه الكلمات مهما وصلت من البلاغة، لأن قيمتهم ببساطة هي أكبر من مخزون الثناء الذي نملكه! اقرأ المزيد
العبثية تشير إلى شعور الإنسان بأن الحياة بلا معنى واضح أو هدف، ويبدو أن البحث عن معنى للحياة في مفاهيم بعض الفئات قد استحضر حالات، وأثار تساؤلات فارغة بلا محتوى حياتي معاصر ومنها: لماذا فلان لم يكن خليفة، ولماذا تقاتل الأَخَوان، ولماذا جعل هارون الرشيد ثلاثة أولياء عهد، ولماذا مضى على شاكلته المتوكل؟ هذه أسئلة كأمثلة تهيمن على الوعي الجمعي، وتستنزف الوقت وتسفك الدماء، وتتسبب بالفرقة والتلاحي المرير. فهل تساءل مدّعوها ما الفائدة منها، وقد حصلت قبل قرون عديدة؟ ما نقع الحديث في الغابرات والتوهم بالقدرة على تصحيح ما قد حصل؟ اقرأ المزيد
«أنا آسف»، كلمتان بسيطتان يُفترض أن تكونا جسراً للمصالحة، لكنهما أحياناً تتحولان إلى حجر يُلقى في بركة هادئة، فيُعكّر صفوها بدل أن يُصلح ما أفسده الزمن، فليس كل اعتذار يشفي، وليس كل «آسف» تستحق القبول، وهنالك اعتذارات تُثير الغضب أكثر مما تُطفئه، وتفتح الجراح بدل أن تُضمّدها، وتجعلك تتساءل، هل جاء ليعتذر فعلاً... أم ليُريح ضميره على حسابي؟ أسوأ أنواع الاعتذار ذلك الذي يأتي خالياً من الندم الحقيقي، كأن يقول صاحبه «أنا آسف إن كنتَ شعرت بالإهانة»، لاحظ معي كيف حوّل المشكلة من فعله إلى شعورك، وكأن الخطأ ليس فيما فعل بل في طريقة استقبالك، هذا ليس اعتذاراً اقرأ المزيد
الأمم بدساتيرها وعندما تخلو منها تتناهبها النواكب والتداعيات والصراعات البينية على السلطة، فتنتهي كقيمة ووجود ويعلو مقام الكراسي وتتحقق المآسي. سيقولون إن الأمة دستورها القرآن، لكنه خضع لما لا يحصى من التأويلات والتفسيرات التي جردته من جوهر آياته ومعانيه، وصار القول الفصل لأدعياء الدين من الفقهاء ووعاظ الكراسي والسلاطين. منذ وفاة سيد الكائنات ومفهوم ولاية العهد والتوريث تفعل فعلها في حياة الأمة، وهي مأخوذة من أنظمة الحكم القائمة في أمم الدنيا الأخرى التي عاصرت انطلاق ثورة الإسلام. الرسول أرادها وأمرهم شورى بينهم، لإدراكه بتبدل أحوال الزمان والمكان، والناس عليها أن ترى ما ينفعها، فليس من الصالح أن يعين الراحلون ما يجب أن يكون عليه الحاضرون. اقرأ المزيد
قراءة نفسية في خطاب اليقين المطلق لدى الأطباء المثيرين للجدل من وقت لآخر يخرج علينا طبيبا يدعي أنه اخترع جهازا يعالج الأمراض المستعصية في أقل وقت وبأقل تكلفة، ثم طبيب آخر يدّعي أنه يعالج فيروس C بوضع دجاجة على كبد المريض، وطبيب رابع يدّعي معرفة الأسرار الخفية للآثار المصرية القديمة، وطبيب خامس يدّعي علاج الأمراض المزمنة والمستعصية بنظام غذائي خاص دون اقرأ المزيد
من مشاكلنا السلوكية المزمنة، أننا كأفراد وجماعات وأحزاب وغيرها، عندما نتفاعل، لا نتخاطب مع بعضنا وإنما نتكلم عن بعضنا. وهناك اختلاف سلوكي نفسي وفكري ما بين أن نتكلم عن بعضنا وبين أن نتكلم مع بعضنا. ففي الحالة الأولى نطلق لسان عواطفنا وانفعالاتنا، ونستخدم آلية الإسقاط بعنف وقسوة وإمعان لتحقيق المشاعر السلبية والتعبير عن إرادتها المؤذية، مما يؤدي إلى التخاصم والتشاجر والعدوان والبغضاء، حيث ستنطلق آليات الإنكار والدفاع والتعميم والتبرير والعناد وغيرها من الآليات، التي تنتهي بنا إلى حالة الشك المروّع والخوف الشديد من بعضنا، فيضيع الأمان وتفقد الحياة معانيها ومعاييرها اللازمة للبقاء والتفاعل الإنساني الخلاق. أما عندما نتكلم اقرأ المزيد
هذا المقال دراسة تحليلية نفسية–اجتماعية لظاهرة جزيرة جيفري إبستين، بوصفها نموذجًا مكثفًا لاجتماع الغريزة البدائية بالسلطة والنفوذ والسرية. وهو محاولة لفهم آليات الانحدار النفسي والأخلاقي والإنساني لأشخاص ذوي مكانة وذوي نفوذ وتأثير في مجالات سياسية واقتصادية وفنية وعلمية، ويعتبروا قادة العالم في مجالاتهم المختلفة. الغريزة بين الإنسان والحيوان الغريزة الجنسية طاقة حيوية أساسية في الكائن البشري، لكنها لا تعمل في فراغ. اقرأ المزيد
ذاكرة الأمم والشعوب ينبوع إلهام وبوصلة مسار نحو جوهر ذات وهوية، ولابد للمجتمعات أن تصون ذاكرتها الإيجابية ولا تكرس ما هو سلبي في مسيرتها. الأمة تتعرض لهجمة تستهدف دفن ذاكرتها وتأكيد أنها بلا ذاكرة إيجابية، فتأريخها المستحضر سفك دماء وغزوات وتفاعلات توصف بالسيئة ذات الصراعات البينية المهينة. مَن الذي قدم لنا تأريخنا بهذه الصورة؟ لماذا يتم طمس ما هو إيجابي وأصيل؟ وفي القرن العشرين تحقق صناعة تأريخ لا يتفق وحقيقة الأمة وقوتها المادية والفكرية اقرأ المزيد
في «الزوارة» العائلية، تجلس فتاة ثلاثينية تبتسم بارتباك، بينما قريبتها تسألها بحماسة: «ليش ما تزوجتي لليوم؟»، سؤال قد يبدو بريئاً، مجرد دردشة عائلية عادية، لكن تلك القريبة لا تعلم أن الفتاة التي توجه سؤالها لها قد دفنت قصة حب مؤلمة منذ شهور، وأنها ترفض العرسان لأسباب لا تريد شرحها لأحد، ولضرورات اللياقة الاجتماعية تجد الفتاة نفسها مضطرة للإجابة التي تأتي مختصرة: «والله ما صار نصيب للحين»، تقولها وابتسامتها المصطنعة قد تشي بأسرارها، بينما القلب ينزف ألما! هذا المشهد يتكرر يومياً بأشكال مختلفة، فالفضول الاجتماعي عندنا يتنكر بخبث في ثوب الاهتمام، فتنهمر الأسئلة التي تبدو عابرة لكنها تنبش جراحاً عميقة، سؤال عن الإنجاب، و«ما كو شيء في الطريج» للزوجة التي أجهضت مراراً، اقرأ المزيد
الثابت أن الموجودات في وعائها الدوّار تتغير ولا تستطيع الثبات على حالة واحدة، فما كل موجود يغيّر لكن كل موجود يتغيّر. النشاطات التي يمارسها المخلوق الحي تتسبب بتغيِّره، وربما تغيَّر شيئا مما حوله، لكن القول بأنها ستغيِّر حتما لا يوجد دليل قاطع عليه، فالبلايين من البشر التي سعت فوق التراب تغيَّرَتْ، والقليل جدا منها غيّر. وهذا ينطبق على كافة ميادين الحياة، فالشعراء – على سبيل المثال – ربما يتغيرون بعد كل نص يكتبونه، لكن النص لا يغير ما حوله، ومعظم الشعر يمر كالماء فوق الرمال، ويوجد شعراء قليلون غيَّروا ما حولهم وكان لهم أثر على سلوك البشر، وهم المقربون من الكراسي الفاعلة في المجتمع. اقرأ المزيد



